أفرز التحول الرقمي المتسارع الذي يشهده العالم المعاصر أشكالًا جديدة من الجريمة، لم تعد فيها الأفعال الإجرامية محصورة في الفضاء المادي، بل انتقلت إلى الفضاء الإلكتروني، مفرزةً ما يُعرف بـ الجريمة الإلكترونية، التي تتسم بتعقيد الوسائل، وتعدد الأفعال، واتساع الأثر، بما يجعلها من أخطر التحديات القانونية والأمنية في العصر الراهن. وقد امتدت هذه الجرائم لتطال الأفراد والمؤسسات والأنظمة، مهددةً الثقة في البيئة الرقمية ومقومات الاستقرار المجتمعي.
وإدراكًا لخطورة هذه الظاهرة، حرص المشرّع على التدخل من خلال سنّ نصوص قانونية تهدف إلى تجريم الأفعال الإلكترونية، وتوفير الحماية القانونية للفضاء الرقمي، في إطار سياسة جنائية تسعى إلى التوفيق بين متطلبات الأمن وحماية الحقوق والحريات. غير أن الطبيعة المتحولة للجريمة الإلكترونية وسرعة تطورها تجعل النص التشريعي، مهما بلغت دقته، عرضة لعدم المواكبة إذا لم يُدعَم برؤية علمية وتكوينية مستمرة.
وفي هذا السياق، يظل دور التعليم العالي قائمًا ومحوريًا في مواجهة الجريمة الإلكترونية، باعتباره فضاءً لبناء الوعي القانوني وإنتاج المعرفة القانونية المتخصصة. فالجامعة تضطلع بدور أساسي في ترسيخ الثقافة القانونية الرقمية لدى الطلبة، بما يعزز السلوك القانوني في استعمال الوسائط الرقمية.
كما لا يقتصر دور التعليم العالي على الجانب التكويني، بل يمتد إلى الدور البحثي للنخبة الأكاديمية، التي تساهم من خلال دراساتها وتحليلاتها في تشخيص ظاهرة الجريمة الإلكترونية، ورصد النقائص والثغرات التشريعية، واقتراح حلول قانونية عملية، بما يشكل دعمًا علميًا حقيقيًا لعمل المشرّع ويسهم في تطوير النص التشريعي على أسس علمية رصينة.
وانطلاقًا من هذا الترابط بين الجريمة الإلكترونية، والجهد التشريعي، والدور التكويني والعلمي للتعليم العالي، يأتي هذا الملتقى الوطني لبحث سبل تعزيز مساهمة الجامعة في مكافحة الجريمة الإلكترونية، من بناء الوعي القانوني إلى دعم النص التشريعي.
على الرغم من الجهود التشريعية المبذولة لمكافحة الجريمة الإلكترونية، فإن التطور السريع لوسائل الإجرام الرقمي يطرح تحديات مستمرة تتجاوز المعالجة القانونية التقليدية، وتستدعي دعمًا معرفيًا وتكوينيًا مواكبًا.
الإشكالية
إلى أي مدى يمكن للتعليم العالي، ولا سيما من خلال المدارس العليا والنخبة الأكاديمية، أن يواكب الجهود التشريعية في مكافحة الجريمة الإلكترونية؟ المشاركة